السبت، 13 يونيو 2015

المدونة انتقلت إلى العنوان الجديد فى
http://hani73.3abber.com/

شكرا لمتابعتكم . رجاء الانتقال إلى الموقع الجديد , حيث سيتم غلق المدونة قريبا
هانى محمود 

الخميس، 18 أغسطس 2011

كلاكيت ألف مرة - قصة قصيرة - من مجموعة "مقام سيدى الهزاز" - 2008

الهاتف

كان هاتف يهتف به منذ أيام أنهم سيطرقون بابه , استغفر الله بل سيكسرونه أو يزخرفونه بطلقات مدافعهم الرشاشة ولم تكن لديه نية للمقاومة , لذا عقد العزم على أن لا يدفعهم إلى الاختيار الأخير , سيفتح عندما يسمع طرقاتهم على الباب لا , حين يسمع دبيب أقدامهم على درجات السلم , وقرر كحل أخير وآمن أن يفتح الباب عندما تخترق أصوات محركات سياراتهم جدران البيت
منذ نما إلى علمه أنهم أخذوا صديقه " فرحات " وهو يشعر باقترابهم , فأمر حملاتهم الدبلوماسية حديث الرفاق منذ شهر 0 فقط دردشة وبعض الأسئلة وبعدها عاد الجميع إلى منازلهم لم يصب أحدهم بسوء 0 ورغم هذه الأخبار المطمئنة إلا أن أمر أخذهم له كان يربكه , ماذا لو أخفق في الإجابة عن سؤال ؟! وماذا لو أخذوه وقرروا تأجيل الدردشة عدة أيام ؟!
في مكتبه الذي يطل على ميدان التحرير كان ينسى أمرهم , مشاغل العمل وهمومه كانت تأخذ تفكيره بعيدا عنهم , ثم إنهم لا يأخذون أحدا نهارا , إن للمواطن الشريف حرمته وحقوقه , وأبسطها ألا يؤخذ جهرا أمام أعين الناس , إن الظلام أليق بإنسانية الإنسان وكرامته 0 وإذا كان النهار يقف حاجزا بينهم وبينه , فإن شريط السكة الحديد هو الآخر يمثل سياجا آمنا 0 فلماذا يجهدون أنفسهم وسياراتهم في اجتياز قضبان السكة الحديد , والصعود إلى بيته الواقع فوق تبة عالية
بيوت جيرانه أيضا تبتعد عن الشارع الرئيس عشرات الأمتار وترتفع عالية خلف القضبان , والمداخل التي تؤدى إليها ضيقة غير ممهدة , وتمتلئ بالكلاب الضالة والزلط والنباتات الشيطانية

المراجعة

قوى أمله في أنهم سيرسلون له بدلا من أن يأتوا لأخذه فعلوا هذا مع بعض الزملاء 0 ليس لديه ما يخشاه , ولذلك لن يتأخر , سوف يذهب إليهم , يجيب على أسئلتهم ويدردش معهم , ويا دار ما دخلك شر
هل حقا ليس لديه ما يخشاه ؟!
لابد من الإجابة على السؤال عشرات المرات حتى يجيب عن أسئلتهم في ثقة واطمئنان 00 للمرة الألف يفتش في ذاكرته يستعيد شريط حياته 00 لحظة بلحظة , أصبح يتوقف كثيرا أمام التفاصيل الصغيرة , اكتشف في نفسه مقدرة عجيبة على تذكر الأحداث بتفاصيلها الصغيرة 0 أشياء صغيرة لم يلتفت إليها من قبل , عشرات بل مئات الأشياء الصغيرة امتلأ عقله بها . في الأيام الأخيرة أصبح يجد تشابها كبيرا بينه وبين جهاز الكمبيوتر الملقي في أحد أركان بيته 0 عقله أصبح مجموعة من المجلدات , كل مجلد به عدد من الأحداث الكبيرة وفى داخل الحدث الواحد ملفات فرعية لا حصر لها 0 في عمليات الاسترجاع المتكررة اكتشف مدى تفاهته , فعبر تاريخه المديد لم يشغله حقا سوى أمرين , الحب والكُرَة , في الابتدائية كان يحب زميلته ويلعب الكرة , وانتهت سنوات الجامعة وتخرج وتزوج وما يشغله هو الكرة , أما الحب فقد ذابت حرارته بعد أن أنجبت زوجه حبيبته ثلاثة أطفال 0 لقد كانت حبيبته مفتونة دائما بثقافته , لكن عمليات الاسترجاع تصدمه بالحقيقة 0 إنه لا يتذكر شيئا عن اليمين أو اليسار 000 تاريخ بلاده يبدو قطعا متناثرة لا تحتل من الأحداث الكبيرة في حياته إلا هوامش ضيقة 00 هل لديه برنامج سياسي شامل يجعله زعيما لأحد الأحزاب ؟!!!
إن تفاصيل حياته لا تخضع لبرنامج محدد 00 إنه فوضوي 00 ابن وقته 00 فكيف له ببرنامج سياسي شامل , ثم ما معنى برنامج سياسي ؟ لقد سمع التعبير في أحد الندوات التي تعقدها الكلية لكنه لم يهتم , كان مشغولا بمباراة الأمس التي هزم فيها 00 حمد الله كثيرا على تفاهته وضحالة فكره وانعدام ثقافته , ولم يتوقف عن التفتيش في الأشياء الصغيرة 000 عباراته التي كان يعلق بها على الأحداث الجارية
إنه بشر يشعر ويحس ولابد أنه في بعض المرات قد عبر عما يعتمل في صدره , لكن مثل هذه التعبيرات الوقتية لا يمكن أن تجعل منه صاحب فكر أو رسالة 0 استراح لهذه النتيجة 0 لكنه قرر مستقبلا أن يحتفظ بآرائه لنفسه
" امش جوار الحائط يا محمد " وصية والده هي دستور حياته , لا يعنيه من الدنيا وما فيها إلا زوجه وأطفاله وعمله
- يالى من تافه
قالها لنفسه , وهو يفتش في كتبه ، هذه كتب الكلية , وهذه بعض المجلات العلمية 00 لا ضرر منها , أما هذه المجلات الشاملة فلا يتذكر الآن ما تحويه , قد يؤدى مقال منشور بها إلى تأجيل الدردشة عدة أيام , تخلص منها 0 وكإجراء وقائي أخذ زوجه وأطفاله إلى بيت أبيها كي تقوم برعايته في مرضه 00 وجدها فرصة لتحسين علاقته بحميه 0 لا أحد يدرى , قد يكون مرضه الأخير
الليل
لم يكره الانتظار مثلما كرهه في الأيام الأخيرة 0 كان كمن ينتظر إجراء عملية جراحية خطيرة تحدد مصيره في الحياة كل ثانية تقترب به من حجرة العمليات 0 يحيطون به وفى أيديهم مشارط تلمع والأضواء الباهرة تعمى عينيه 0 لكنه لا يغيب عن الوعي 0 إنه يشعر بما يحدث له 0 عشرات الحقن تغرس في جلده 0 لكنه يحتفظ بوعيه , وعقله يعمل كآلة ضبطت على وضع التشغيل الدائم 00 يريد أن يسمع صوت المحركات أو يرى أضواء سياراتهم الشاحبة 0 بات على اقتناع أنه لن ينام إلا إذا أخذوه 00 فكر في أن يذهب إليهم يدردش معهم ويجيب على أسئلتهم , لكنه لا يعرف رد فعلهم فلم يسبق لأحد أن ذهب إليهم بقدميه 0 ولو فعل لا يدرى هل سيتركونه يخرج أو 0000
منذ غادره النوم وهو يكتشف أن كثيرا من مفاهيمه عن الكون وكائناته تتغير 0 كان يظن أن الليل وقت للسكون 0 لا همسة ولا كلمة
الليل في حضن أمه يجلب له الدفء والطمأنينة 0 لكنه اكتشف أن لليل عالمه الخاص وأصواته الخاصة 0 صوت القضبان وهى تئن والقطار يدهسها , ونباح الكلاب في الليل غير نباحها في النهار , انه نباح أقرب إلى العواء والبكاء ولم يدرك أن حنفية المطبخ تسرب الماء إلا منذ غادره النوم تاك 0 تاك , كل نقطة ماء بينها وبين الأخرى عشرات الأصوات , صوت دقات المنبه وأقدام الكلاب وهى تحفر جدران المقابر المجاورة 00 و00 , بقى على صوت المؤذن ساعة
في حجرته الصغيرة , تتقلص أحلامه 0 تنكمش تتوارى يبتلعها حلم واحد , أن يسمع أصوات المحركات أو يرى أضواء السيارات 0 قام على مهل وأطفأ النور وانتظر لحظات حتى اعتادت عيناه الظلام
ألقى جسده المرهق فوق السرير 0 أضافت طرقعة الخشب صوتا جديدا لم يسمعه إلا الليلة 0 رفع المخدة على حافة السرير , أسند ظهره إليها , وشبك أصابعه خلف رأسه وعيناه مصوبتان باتجاه الباب 0 لا يمكن أن يستمر الأمر هكذا 0 يجب فعل شيء , هذه الحملات الدبلوماسية يجب أن تتوقف0 لقد سمع أن النقيب قد زارهم وتفاهم معهم , وأقنعوه بأنها مجرد دردشة وبعض الأسئلة , ولكن لماذا ؟!
لماذا هو وزملاؤه دون غيرهم من طوائف المجتمع ؟! 0 هل أخذت بقية الطوائف حظها من الحملات قبلهم أم أن دورهم سيأتي لاحقا ؟! 0 لابد من حل 00 جمع توقيعات 0 شكوى للوزير على صفحات الجرائد 0 لكن من يضمن أن الشكوى ستنشر , وإذا نشرت فمن يضمن أن رد الوزير لن يكون:
- إنها مجرد دردشة وبعض أسئلة 0
الأمر يحتاج إلى ثورة 0 سوف يقوم هو وزملاؤه بثورة 00 وسوف يكون هو قائد هذه الثورة 0 ثورة (ال0000 ) لقد رأى فيلما عن " ثورة العبيد " 0 لا يمكن أن يكون العبيد أقدر منهم على الثورة 0 نعم قد تُسْحَق ثورته سحقا لكنه ربما للمرة الأولى في حياته لن يكون تافها , سيكون صاحب رأى ولو للمرة الأخيرة فى حياته 000
سامحني يا أبى , لا أستطيع أن أنام , ولذلك لا أضمن لك أنني من اليوم سأمشى جوار الحائط
الخلاص
حين وجد نفسه محشورا في السيارة , كان شعاع متسلل من بقايا القمر يتراقص فوق وجهه المبتسم ، لقد جاءوا أخيرا 0 وأصبح في قلب الحدث ، إنه يشتاق إلى الدردشة والأسئلة 0 في السيارة آخرون , لا تسمح الإضاءة بتفاصيل
كانت السيارة قد غادرت التبة المرتفعة واجتازت شريط السكة الحديد ، وراحت تنهب الطريق نهبا
لا يصدق أنهم جاءوا 0 ملاحمهم الغاضبة ، وطرقاتهم على الباب كانت تتراءى له كحلم 0 لا يمكن أن تكون كل هذه السيارات من أجله وكل هذه الرشاشات
أين كانوا يوم زفافه ؟!!
أهو مهم إلى هذه الدرجة ؟!!
أهو خطير إلى هذا الحد ؟!!
لقد كان يتحدث بأمر الثورة إلى نفسه
هل يقرأون أيضا ما يدور في النفوس ؟!!
ليس لديه ما يخشاه , ولذا استقبلهم بابتسامة يعلوها الارتباك وعندما امتلأ البيت بهم ابتلع ابتسامته وغرق في طوفان من العرق 0 لكنهم مهذبون 0 لم يفعلوا ما يشير إلى عكس ذلك تغاضى عن ملامحهم الغاضبة وطرقاتهم الساخطة على الباب فهي أمور تخص عملهم وهم أعلم بما ينفعهم
نسمات الفجر الباردة تداعب وجهه والسيارة تهدهد عظامه ورأسه يميل على جاره , وعقله يستعيد التفاصيل الصغيرة

















العزف على أنعام الطباشير - قصة قصيرة - من مجموعة "مقام سيدى الهزاز" - 2008

ـ خطبة جميلة يا أستاذ .
أحنقته تركيبة الجملة ، فما كان يخطب , وأفزعته الكلمة الثانية من الجملة تحديدا ، إذ لم يكن أحد أهدافه أن تثير كلماته الإعجاب . ولكن هذا ما حدث
وها هي سلوى – ببراءتها المعهودة ولسانها المنطلق – تعلن على الملأ أنه فاشل . كلماته التي أنفق الليل يرتبها وينمقها , تتساقط على الأرض , تصبح لوحة جميلة ، أسودًا منزوعة الأنياب ، مدافع بلا طلقات ، شكلا يفتقد المضمون
مريم تهمس كأنها تستعد للنوم :
ـ لقد أوشكت على البكاء يا أستاذ
ينظر إليها في امتنان ، يعيد إليه بعضا من الأمل الذي فر يستعين بالسؤال راجيا أن يجلب له مزيدا من الأمل
ـ ماذا نفعل ؟
بعض الأصابع ترتفع في سرعة ، تدل على عقول لم تأخذ وقتا للتفكير وأخري ترتفع بعد تردد
ثمة صمت يطبق على الركن الأخير من الصف الذي يتوسط الحجرة . يسمع لبعض الأيدي المرفوعة
- نمنع عنهم البترول
- نسير في مظاهرات
- نحرق علمهم
- نسافر إليهم
- نحاربهم
هل يعرفن الحرب ؟ !!
لم يقدر لواحدة منهن أن تعيش مأساة الحرب . لو فتحت واحدة منهن صنبور المياه فتدفقت الدماء ، هل ستصر على خيار الحرب . صمتٌ لم يعتده منهن عند فتح باب النقاش سلوى أيتها الثرثارة .. أين أنت ؟ !! اعتاد أن يراها تتكلم حتى عندما يطلب منها الصمت يسكت لسانها ، ويتكلم رأسها وعيناها ويداها . لم يكن لديه رغبة في الكلام ، كان يريد أن يسمع ... أن يجاوبه الصدى
في طابور الصباح . وبعد أن ألقى كلمته حركت مديرة المدرسة رأسها علامة الرضا .. كان يعلم أنها ستفعل ؛ فمحطات التليفزيون المحلية تنافس الفضائيات . تجوبُ أقطار الأرض .. تنقل الأخبار وردود الأفعال ، تسمح للمارد أن يُخرِجَ فمه خارج القمقم . وتترك البركان ينفث بعضا من غضبه .. ورقة من أوراق الضغط تحفظ ماء الوجه ، وتضمن للعرش ديمومته .. فليس ثمة وقت للانفجار
أحد الزملاء همس في أذنه : الله يفتح عليك
وقال الأخر غاضبًا : ما كان يجب أن تقول إننا تركنا الأمر للنساء ..
لا يعنيه هذا الجيل في شيء ، فقد تم تقليم أظافره من زمن , جيلٌ عاش الحرب فَرَاقتْه طنطنةُ السلام ، لم يسألهم ماذا نفعل فهو يراهم يهتفون في كل الميادين ، يقتلعون بكلماتِهم أوراق الشجر . يدكون الجبال بألسنتهم ويصدرون الهواء , جيلٌ شاخ ، وبين يديه جيلٌ ينمو
- أستاذ .. لو سمحت نريد من أمل أن تغني" زهرة المدائن "
- نعم , دعها تغني
- أميرة تحفظ " الحلم العربي "
- وأنا أيضا .
دفة الحديث تدور ، تبتعد عن الحرب ، وتسير باتجاه الغناء
أصواتهن تختلط ، والركن الأخير يعبر عن نفسه:
- نعم نريد أمل .
لم يجد بدا من الإذعان .. بدأت أمل تغني ، وجو من النشوة يفرد جناحيه على قلوبهن الخضراء . عيون بعضهن تلتصق بشفتي المغنية ، رموشهن تتلون بالخوف . و تمتلئ الأحداق بالأمل . ثم تفيض باليأس .. تلتصق بأيديهن مدافع وهمية طلقات ثورة لا تغادر الحناجر الفطرية .. أسئلة تتحجر فوق الشفاه
دون مقدمات يتوقف الغناء
فوق مقعدها تترك أميرة عمرها الذي لم يتعد الثانية عشرة تقف في عزم :- لماذا لا نحاربهم ؟ !!
سلمي ، ترتعش ضفيرتها :- لماذا تساعد الأمم المتحدة الأعداء ؟
يصحح لها المعلومة : - الولايات المتحدة
تسأل في براءة ، تختلط بثورة الغضب في صوتها :
- وما الفرق بينهما ؟
ينظر إلى ساعته , ولا يجيب
ـ أستاذ لمن الشعر الذي قلته في الطابور ؟
يستدير ، يكتب عنوان الدرس على السبورة
يقذف بشرحه في وجه طن من الأسئلة

ياكشى تولع "قصة قصيرة -من مجموعة مقام سيدى الهزاز 2008"

حين تسلمت العمل في الشركة , كنت قد انتهيت لتوى من قصة حب فاشلة شهدها رحاب الجامعة , وانتهت كما تنتهي كثير من قصص الحب في الجامعة , بفشل ذريع , وتزوجَت حبيبتي , بعد أن تشاجرت مع خطيبها ــ وكان زميلا لنا ــ وكدت أفصل من الجامعة 0

ولم أشعر بأنني خسرت كثيرا , فبعد شهر واحد من العمل في الشركة أدركت أن هناك فرقا كبيرا بين حياة الجامعة وبين الحياة العملية بعد التخرج وتساءلت كيف كنت سأفتح بيتا بمرتب لا يتعدى المائة والخمسين جنيها في الشهر ؟!!

وتمنيت لها السعادة , وحمدت الله لأن فرع الشركة الذي أعمل به لم يكن به من صنف الحريم سوى امرأتين 0 أحدهما زوجة , والأخرى مطلقة لاتحمل من مؤهلات الجمال سوى اسمها , أما الباقي , فالبعد عنه أحسن .

ومضى عامان 00 ثم انتقلت إلى فرع آخر للشركة , في قلب العاصمة , وذهبت إلى الفرع ينتابني فزع شديد , فقد كان الفرع الجديد ــ كما علمت ــ يضم من النساء مالا يقل عن الخمسين , نصفهن من الآنسات 0

ودخلت من باب الشركة وأنا أتعثر في خجلي كأني لم أكن ذات يوم في جامعة تضم آلاف الفتيات , كان إحساسي بالخجل ينبع من أنه قد طال عهدي بالبعد عن الفتيات ولا أدرى هل مازلت بعد قادرا على أن أعود كما كنت , لي شلة من الفتيات والفتيان , وهل مازلت قادرا على أن أتعامل معهن بعد ما كان من حبيبتي السابقة , وحتى تكتمل مصيبتي وجدت نفسي محشورا في مكتب يضم سبعا من الزميلات , ولم يطل فزعي كثيرا , إذ اكتشفت أن من بينهن ثلاث كن معي في الجامعة 0 استقبلتني فاطمة بترحاب شديد وبسخرية أشد , إذ يبدو أنها لم تنس سخريتي الدائمة منها 0

ومر اليوم الأول بعد أن قدمتني فاطمة لباقي الزملاء والزميلات وهى تسخر منى في كل لحظة , كأنها تنتقم لسنوات الجامعة 0000 ولم أعد إلى البيت إلا بعد أعادتني فاطمة إلى أيام الجامعة 0 أسخر منها وأداعبها , فتقبل على ساخطة ثم راضية 0

وفى الأيام التالية توطدت الصلات بيني وبين الزميلات , وعرفت أن خمسا منهن آنسات 0 وبفضل فاطمة أصبحت معظم الفتيات في المكتب مثلها يسخرن منى وأسخر منهن وتجمعنا ضحكة كبيرة ونفترق على ود , وتعجبت من نفسي

إذ سريعا ما أصبحت الفتيات بمثابة صديقات أعرفهن من زمن , والسيدتان المتزوجتان تقبلان على , تضحكان معي وتحكيان كأني صديق قديم 0

أما بقية فتيات الشركة فقد توقفت علاقتي بهن عند إلقاء التحية أو الكلام العابر فيما يخص أمور العمل , وعرفت بقية الزميلات بأمر قصة الحب الفاشلة , وضحكاتهن تجلجل وتملأ المكتب وأنا أحكى لهن كيف أهديت حبيبتي قصرية أطفال بعد أن زارتني في دكان الأدوات المنزلية الذي أعمل به عقب شجاري مع خطيبها , وحكت سعاد وفاطمة كيف تلقى الزميل العريس علقة محترمة جعلت لي ولأصدقائي هيبة في وسط الدفعة و خاصة بعد أن نجونا بمعجزة من موضوع الفصل 0

وهكذا وجدتني في وسطهن أعود إلى ذكريات الجامعة وأحدثهن عن الفرع الآخر للشركة , وعن زميلتي المطلقة ذات الاسم الجميل فقط , وأمل تطلق ضحكاتها تزلزل جدران المكتب 0

وأصبحت أيامي في المكتب متشابهة , كثير من العمل وكثير من الضحك , لا يخلو الأمر من مشادة أو مشكلة نتيجة ضغوط العمل , لكننا سريعا ما نعود إلى ضحكاتنا الكبيرة ونجمع أموالا ونشترى طعاما , تصور لقد اشترينا يوما فسيخا وأكلناه في المكتب , اشتراه لنا الأستاذ عبد الودود وتحمل وحده تقريع وتأنيب مدير الشركة , بعد أن فضحتنا الرائحة الجبارة , والأستاذ عبد الودود يهمس في أذني :

- مار أيك في أمل ؟

- جميلة محترمة

- لماذا لا تخطبها ؟

- إن صوتها عال , وضحكتها بلا كنترول

وظننت أن الأمر سيتوقف عند أمل ولكن زملائي المتزوجين راحوا يرشحون لي كل فترة عروسا من بين فتيات الشركة ولم أكن أفكر في الزواج

لم تكن بينهن من تستطيع أن تدفعني إلى هذه الخطوة , الكثيرات منهن لا يعيبهن شىء 0 أدب وجمال , وخفة ظل وعائلة محترمة , ولكن العيب فيَّ

لم أستطع أن أحب واحدة منهن , فأنا صاحب مبادئ وأهم مبدأ أؤمن به أنه لا زواج بلا حب

ما زلت أؤمن بقول تشيكوف : " الزواج بلا حب , كالعبادة بلا إيمان " 0 ولهذا كنت أراهن جميعا زميلات , لا أكثر نضحك معا ونتشاجر معا , لكنني لا أحبهن ــ لا أحبهن بالمعنى الذي تفهمونه ــ لكنى أحبهن كأخواتي البنات 000 لا يمكن أن يكون بيني وبين إحداهن أكثر من ذلك , وإن غازلت واحدة , فأنا أغازل أختي . قلت لسارة وهى تبحث عن السكر

- يكفى أن تضعي طرف إصبعك في كوب الشاي

واحمر وجهها وغادرت المكتب 0 ولم أشعر بأني فعلت شيئا إلا أنني داعبت أختي 0 وأحببت اللعبة , ولم أعد أسخر منهن فقط ولكني أغازلهن فيضحكن , ويخجلن , لكنهن لا يغضبن والأستاذ عبد الودود يزن في أذني :

- ما رأيك في سناء , أدب وأسرة

- لو أنجبنا طفلا سوف نرميه

كانت سناء أسود من فحم المغارة , وكانت بشرتي أفتح منها قليلا !! ولا أدرى هل كان الأستاذ عبد الودود يسخر منى أم أنه كان جادا

ولم أشغل نفسي كثيرا بأمر جديته أو سخريته , ولم أتساءل هل ستقبل سناء أو غيرها الارتباط بي أم لا , فقد كنت مشغولا بأمور أهم , كنت مشغولا بالقراءة والكتابة والكمبيوتر وأشياء أخرى

وكل يوم يحدثونني عن فتاة وأبحث في وجهها عن شىء وأعود لهواياتي , ويظنون أنني أنظر إلى فوق ويقولون :

- ما رأيك في ابنة مدير الشركة ؟

وأبحث في وجهها عن شىء , وأعود لهواياتي , ويتهمونني ويسخرون منى , لم يعد الزملاء الرجال وحدهم يسخرون لكن زميلاتي أيضا يسخرن منى , همست أمل في أذني : أنت معقد وقالت فاطمة : اذهب إلى شيخ , فربما كان معمولا لك سحر حتى أولئك اللاتي كنت ألقى عليهن التحية فقط , سمعتهن يسخرن منى , والأستاذ عبد الودود يشير من طرف خفي إلى أنني مغرور

وبعد عامين بات لدى الزملاء اقتناع تام , بأنني لا أفكر في الارتباط بواحدة من فتيات الشركة

وأصبح أملهم معقودا على التعيينات الحديثة , وكلما سمع أحدهم بأن فتاة تم تعيينها في الشركة , يدور الحوار حول هذه الفتاة ونرسم لها صورة قبل تسلمها العمل , ولم أكن العزب الوحيد في الشركة , كنا خمسة , وكان يحلو لنا أن يرسم كل منا صورة للفتاة القادمة , وكثيرا ما كانت الصورة الجميلة التي نرسمها تذهب أدراج الرياح

قالوا إن واحدة تعيين حديث اسمها نرمين 00 سوف تتسلم العمل الأسبوع القادم , وكعادتنا رسمنا لها صورا شتى واستقر رأينا على أنها ستكون : شابة بيضاء قصيرة ترتدي منظارا طبيا , رشيقة متزنة , تفور بالصحة والعافية فأخوها طبيب

وجاءت 00 كانت قصيرة بيضاء , ترتدي منظارا طبيا , لكنها فوق الأربعين

وحين تسلمت " صفاء " العمل أدركنا أن المنصورة ليست كلها فتيات جميلات كما يشاع

وعدت من إجازة قصير , ليحدثني الأستاذ عبد الودود عن زميلة جديدة تسلمت العمل , ولم يدفعني الفضول لرؤيتها فأمامي أيام كثيرة سأراها فيها , كما أنني أعرف ذوق الأستاذ عبد الودود

وبعد يومين رأيتها , وبحثت في وجهها عن شىء , ووجدته وسألت عنها فعرفت أنها جادة جدا

وكعادتهم همس الزملاء في أذني , وأعدت عليهم الأسطوانة التي أحفظها :

- إنني لا أفكر في الزواج الآن

وكنت كاذبا , فأنا أفكر ونصف , ووجه صاحبتنا كما رأيته أول مرة , جادا لا يدعوك إلى إلقاء التحية , وألقيت التحية وجاءني الرد جادا

كانت مختلفة , كانت تقرأ , تقرأ كما لم أر من قبل 00

تقرأ في الأدب والدين والمعلومات العامة 0

وأحاول أن أمد الجسور بيني وبينها 0 أقول 00 يافلانة فتقول 00 يا أستاذ فلان 00 فأعود , وأقول 0 يا أستاذة فلانة

وأحدثها عن متاعب العمل وهمومه , فتقول وهى تضحك : ياكشى تولع , وأرى ملامحها الجادة , وإخلاصها في العمل فأفهم أن جملتها تعني : فلنعمل بجد وليكن ما يكون

وأحببتها 00

أحببتها 00 لأنني وجدت في وجهها شيئا كنت أبحث عنه 00 أحببتها , لأنها تقرأ , ولأنها تعمل كثيرا وتضحك قليلا وخرجت من الحمام ذات يوم وأنا نصف عار لأقول لأخواتي البنات : وجدتها 00

وعرفت من صديقتها المقربة أنها غير مرتبطة , ولم أشك لحظة في أنها ستختارني كما اخترتها , فأنا أيضا أحب القراءة , وأنا مثلها 00 صاحب مبادئ , واحترم جملتها : ياكشى تولع

وقلت لها : أريد أن أخطبك

هكذا بدون مقدمات

وردت بعد يومين بأنها لا تفكر في هذا الموضوع , وجن جنوني !!

كيف ترفضني , وأنا مثلها !! أقرأ في الدين والأدب والمعلومات العامة وأخلص لمبادئي 00 مثلها ؟!!

كيف لا تفكر فيَّ , وأنا أعشق وجهها الجاد وضحكتها الصافية , وأذوب فى جملتها : ياكشى تولع

كيف ترفضني , وأنا منذ سنوات أرفض الفتيات من أجلها وذهبت إلى أبيها أطلب يدها

وجاء الرد على لسانها :

- لنكن زملاء0

لست أدرى كم من الوقت سيكون قد مضى حين تقرأ أنت هذه القصة ولكن على حسب ساعتي , مر ثلاثة أعوام , ولم أعد أسخر من أحد , أما هي فمازالت جادة , تتمسك بمبادئها

ومازالت تقرأ , وكل ما فيها ينظر إلى وجهي في تحد ساخر ويقول :

- ياكشى تولع *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ياكشى تولع ( بلهجة أهل الصعيد ) : تفيد اللامبالاة , وعدم الاهتمام , أو بمعنى : ولا يهمك 0 ومعناها الحرفي : أنا لا اهتم , حتى لو احترقت وحلت بك مصيبة .




















































































































الأربعاء، 17 أغسطس 2011

عجين الفلاحة "قصة قصيرة من مجموعة - مقام يدى الهزاز- 2008"

أظنه لم يقدر أنني سألقاه ثائرا , فقد ابتعد عن القفص الحديدي مأخوذا تلاحقه صرخاتي الفائرة ونظراتي الحارقة وفى خطوتين اجتاز فضاء سجننا الأكبر حيث استقر سرير متداع , وعاد على وجهه ابتسامة صفراء , وفى يده بعض أصابع الموز , واقترب فلم تتوقف صرخاتي , وأظهرت نفورا وأنا أضغط جسمي فى القضبان كي يلقى أصابع الموز فيما تبقى من فراغ سجني الصغير , واحتميت بظلام الغرفة لتناول بعض الطعام 
وفى الليلة التالية أتى يحمل كائنا ألقاه جوار السرير وأسرع بحبل سميك أحكم طرفه الأول حول ساقي الكائن والآخر حول إحدى قوائم السرير . كان يحاول تبديد آخر محاولات الكائن للمقاومة . وتحقق له ما أراد . فقد أخذ صوت الكائن يخفت رويدا رويدا حتى اختفى . وسكنت حركاته , كأنه استسلم لنوم عميق
وكنت قد أدركت أن صراخي من خلف القضبان لن يجدي رفيقي فى الأسر شيئا فركنت إلى الصمت وانتظرت أصابع الموز . وتسللت خيوط الفجر من نافذة الغرفة فأكدت لي هوية الأسير , إنه – كما قدَّرت – واحدة من الماعز . وللحق فقد كان جلادنا بالنزيلة الجديدة رحيما . فقرب إليها الماء وتودد إليها بحزمتين من البرسيم الأخضر الطازج , ولكن ما أقبل الليل حتى أصابه المس , فأخذ يتكلم إلى الماعزة فى ود ويطلب منها أن ترقص له رقصة الغزية , ويبدو أن صاحبتنا لم تفهم , أو أنها لم تكن تجيد الرقص , أو أنها لم ترد أن تؤدى من أدوار الحياة سوى دورها كماعزة . فامتنعَت وأعرضت ومأمأت . وأحسبها - مثلي - تبسمت  حين راح يتمايل ويتراقص مؤديا دور الغزية , مسرفا فى التودد إليها كي تفعل مثله
وما أدرى إلا والمخبول يستل سوطا وينهال به على جسد المسكينة فى ضربات خاطفة أسقطتها جوار السرير كتلة من اللحم تئن . وجن جنوني حين راح السوط يرتفع ويهوى فوق الجسد المسجى المستسلم لطوفان الغضب , ولو استسلمت لأناملي قضبان القفص الحديدي وتداعت لكان له معي شأن  لكنها تصلبت .. وضاعت صرخاتي فى فضاء الغرفة
وابتلع السرير جسده المبلل بالعرق . وارتفع شخيره يبدد بقايا الأنين المكتوم
وإن كنت لا أعجب لقوته فإنني أعجب لتلك العزيمة الجبارة التى امتلكتها الماعزة , وهى تقاوم إصراره الغريب على إفنائها بسوطه الرهيب
ومنذ تلك الليلة لم تسلم المسكينة من السوط اللعين , إذ يبدو أنه قد عقد العزم على إفنائها إن لم تستجب لرغباته المجنونة  فتارة يصيح فى غضب : اعجني كالفلاحة . وتارة تستهويه رقصة الغزية , وهو لا يكل ولا يمل .. ومواهبه فى الرقص تتحسن . ويحاكى أمامها رقصات الغوازي صائحا بصوته المبحوح : انظري هذه رقصة فلانة , وهذه رقصة فلانة
فإذا سأم الرقص انتقل إلى العجين فأحضر وعاء فارغا وأخذ يعجن الهواء , ويضرب بيديه السراب , ويصيح فى نشوة : أليس الأمر سهلا ؟! ويقرب إليها الوعاء : اعجني اعجني أنت فلاحة عظيمة , ويضع البرسيم فى الوعاء ويأمرها بالعجن لكنها تأكل ولا تعجن . وعرق الجنون ينبض .. والأسواط تفرقع والجسد الضعيف يتلوى والصرخات المدوية تتحول إلى حشرجة مكتومة . وصوتي يمزق الفراغ
 والسجن الصغير يوشك أن يتداعى تحت وطأة قفزاتي  والكون يتلاشى إلا من ثلاثتنا فى الغرفة الكائنة فوق السطح معلقة بين السماء والأرض . ولو أبصرت عيناه عينيَّ وهو يقرب أصابع الموز فى إهمال لرأى فجوتين ملئتا بالدم , لكنه لا ينظر , منذ أحضر الماعزة , وهو لا ينظر , يتجاهل سجني الكائن فوق المنضدة العتيقة . لا يقربه إلا حين يلقى أصابع الموز ويدعم المنضدة بقطع الخشب السميكة . ويزداد أساس السجن صلابة , وتزداد شراسة القضبان فى المقاومة وجسدي يئن كلما ارتطم بأسياخ الحديد , وقلبي يهفو إلى الفراغ ويستهوى العدم , وأكره الليل المحمل بنزوات بنى أدم المخبول , وفرقعات سوطه الناري , والماعزة تبدى فنونا من الصمود . وفى الصباح أسمع مأمأتها الحزينة فيعاودني الحنين إلى  ارتكاب جريمة قتل
ويشق السوط فراغ الغرفة . وأسمعه يقسم أنه سيذبحها إن لم تفعل ما يريد , فأصرخ فيه : دعها وخذني .. أنا المقبور داخل سجني أستطيع أن أعيد إلى تلك التى توشك أن تفنى دفقة الحياة . خذني ودعها . فليست كل الأجساد تملك موهبة الرقص . وليست كل الأيدي تستطيع العجن .
ويسيل دمها الطاهر فوق بلاط الغرفة العاري , فتختنق العبرة فى عيني ويتوه الكلام فى جوفي : خذني وأقسم أنى سأفعلها
 سأفعلها من أجل تلك التى صمدت ثلاثين يوما
أقسم أنى سأفوق فى الرقص جميع الغوازي , وأمهر فى كل فنون العجن . لا من أجلك بل تلك المذبوحة
وأقسم بحق دمها المسفوح أنني يوما سأنتقم

عصفور فى اليد "قصة قصيرة من مجموعة - مقام سيدى الهزاز - 2008"


بين أصابع كفها النحاسي
كان الجسم النحيل يرقد مستكينا
وقد تحول إلى قلب كبير ينبض
وعلى الصفصافة القريبة عشرة عصافير
يصنع ريشها اللامع مهرجانا من ألوان الطيف
وتصنع أصواتها سقفا من الغناء
يتماوج مع سراسيب الأشعة الذهبية

فى لهفة , وفى نزق طفولى  بدأت تتسلق ساق الصفصافة وشِباك فضية تنمو بين فراغات أصابعها النحاسية

فى وجل , صار الريش اللامع أشرعة تشق أمواج الهواء
والغناء فزع مكتوم يتناثر على أوراق الصفصافة

وعندما أطبقت الشباك على الفراغ
ولمست قدماها الأرض
كان القلب النابض قد صار جناحين كبيرين يخترقان السحاب
ويسدان عين الشمس

وجه فى الزحام "قصة قصيرة"


وجه فى الزحام 
 
ليلة من ليالي الصيف الساحرة الناطقة بالحياة . ليلة من ليالي مرسى مطروح تصبغ ما حولها بالجمال وتكسوه لباسا من الحسن والفتنة . ورءوس كرءوس النمل تلعق السيقان والأرداف والأيدي البضَّة وتفحصُ الوجوه في تساؤل : من أين لَكُنَّ هذا الجمال ؟!! ورجاء تطلقه الشفاه : رحمة بنا ، فأنتم الناس أيتها الحسان .
وتسير الأرجل على مهل ، تقطع شارع الإسكندرية وبعده شارع الكورنيش في دورة لا تنتهي إلا عندما تخلو الشوارع من ربات الحُسن ، وعندما تدقُ ساعاتُ العقول أجراسها تدعو إلى النوم ، لتنتهي ليلة سريعا ما تعود . وما أكثر ما تدقُّ الساعات ، وقلما تنصرف الحسان قبل الفجر ، وينتصر جمالهن الأخاذ على سلطان النوم ، فيتأجل إلى حين .
وهاشم كالآخرين ، ينتقي أحسن ما عنده من ملابس وينفق ساعة في كيها ثم يأخذ حماما ويُغرِق نفسه في رغوة الصابون المعطر ، ثم يُغرِق وجهه ويديه وملابسه في عطر الون مان شو الشهير ، ويمضي سعيدا ، يلعق الوجوه والنهود والسيقان . ويرى الأزياء أنواعا وأشكالا تمرُّ أمام عينيه فوق أجساد بيضاء كالرخام ، تفوح منها روائح الشباب والرغبة ، ويجذبه ذلك الصراع الدائر ، بين أزياء مهمتها الإخفاء ، وأجساد ترغب في كل شيء إلا الحشمة ، وتكون الغلبة للأجساد في صورة صدر ناهد يتأرجح في خجل أو ساق غضَّة يشقُّ بياضُها فتحة الفستان ، كأنه لا يرضى إلا أن يزيد اتساعها ، أو يحرقها بنيرانه الساخنة .
قال لنفسه : ما أعجب الإنسان .. يدعى الفضيلة وهو أول من يسعى إلى التخلص من قيودها . إنه لم يصنع الملابس إلا لتنقله من مرتبة الشهوة المفضوحة إلى مرتبة الإنسانية المحترمة ، ولكن هاهي طبيعته الحيوانية تطغى عليه وتمزق الغلائل الرقيقة التي يري أنها رمز العفة والشرف . وسخر في أعماقه من نفسه ، فهو لم يخرج من بيته ليمتع رئتيه بهواء البحر العليل إنما يريد أن يمتع عينيه وقلبه وروحه بهذه النسمات الملائكية الرقيقة . سيدات وبنات في شرخ الصبا ، وأخريات في ميعة الطفولة . غادرن الفنادق والمعسكرات والشقق .. يبحثن عن شفاء لأجسادهن المتعبة التي أرهقها الانشغال زمنًا بشئون العمل والبيت والأسرة والمدرسة ، وأرواحهن التي مزقها التحايل على المعيشة وغلائها ، واتساع الهوة بين طموحاتها المعقولة وإمكانياتها العرجاء الفقيرة ، فأتين يسرقن من الزمن لحظات ، يشفين بها أجسادهن وأرواحهن . وما يدرين أن في شفائهن بلاءٌ لنفر غير قليل .

****
مضى هاشم لا يعنيه ما يتراءى له خلف التقاطيع الساحرة وظلال مساحيق التجميل الصارخة ، من بقايا التعاسة والشقاء ، كل ما يبتغيه أن يرى الجمال . كل وجه يحمل لونا فريدا من الجمال . يعجز عن تحديد موطنه رغم أنه يعلن عن نفسه في جلاء كأنه يقول :
-         أنا ثمرة بمائة لون ، ومائة شكل ، ومائة طعم .
ومرَّت أمامه ، وجه من مئات الوجوه . يحمل جمالا فريدا مميزا . ولكن مهلا .. ليس هذا بجمال !! إنها الفتنة عينها ترتدي جسدا آدميا , وانطلق لسانه دون وعي يمدح ويتغزل وقد مسَّه ملاك رقيق وظالم في آن واحد :
-         يا مساء الفل والنرجس والياسمين والورد البلدي .
والوجه يبتعد دون أن تبالي صاحبته بذلك الذي يُلقِي التحية مشفوعة بصحبة ورد . ودون أن يبدو على وجهها أنه قد تأثر بهذه التحية الرقيقة . مضت لا تُلقِى بالا لهذا المسحور الذي يهذى :
-         ومقام سيدي العوام ، أنا عقلي طار .
وتحمل الأرجلُ الملفوفة الوجهَ بعيدا ، لا يعنيها أمر هذا الذي دهسته فتنتها , لعلها اعتادت أن ترى القتلى أينما حلَّت فلم تعُد تُلقِي إليهم بالا ، ولعلها تضنُّ على مرضاها بالعلاج ، فليس لها إلا قلب واحد ، والمرضى بداء فتنتها أكثر من العد والإحصاء . وجرَّ صاحبه من يده وانطلق خلفها والصديق في حيرة من أمره .
-         إلى أين ؟!
-         يجب أن أعرف أين تقيم .

****
مطَّ الصديق شفتيه ، وهاشم يسير خلف الفتاة . ليتها تدرك أنه يتعقبها , ليست هذه أول مرة يسير فيها خلف فتاة ، لكنه أبدا لا يصل إلى نهاية الطريق . ومع مثل هذا الصاروخ لا يدري إلى أين ستقوده قدماه , ورأى في يدها كتابا . إنها متعلمة بل مثقفة – إنها معجزة .. فتاة جميلة تقرأ كتابا !!
كانت الفتاة قد بلغت نهاية سور النادي الاجتماعي ، واتجهت إلى ساحة كبيرة أمام النادي . يُقَام بها عدة معارض لمنتجات المتخرجين ، ودخلت أحد المعارض وبدأت تستقبل الزبائن في وِد . شيء عظيم .. كم هي رائعة فهاهي تقف بين شباب أضناهم البحث عن فرصة عمل ، فاستعانوا بقروض الصندوق الاجتماعي للتنمية . هي إذن فتاة مكافحة تسعى لأن تحقق شيئا , كم تمنيت يا هاشم مثل هذه الفتاه الطموح ، بدلا من تلك الرءوس الخاوية التي كنت تلقاها في الجامعة ، والتي لا تعرف من أمر الدنيا إلا خطوط الموضة وأغاني الفيديو كليب .
لم يبق أمامك إلا أن تبحث عن تلك الأشياء التقليدية .. أخلاقها . أسرتها . مرتبطة أم لا .. إن يديها خاليتان من الدّبَل ، ومثل هذه الفتنة لا تسلم قلبها بسهولة . وكل ما عليه أن يحتال للأمر . وقادته قدماه إليها ودخل المعرض المجاور لمعرضها ، وعيناه تجوبان المعروضات دون أن تريا شيئا ، وعيناه تخترقان الملابس لتريا وجهها . وانتهت جولته الزائفة فاتجه إلى معرضها واصطدم بشاب يقاسمها المعرض ويقف في صدارته . لعله أخوها أو شريكها . أي شىء إلا أن يكون خطيبها أو حبيبها !!
-         لماذا أغلق معرض الكتاب أبوابه ؟
أجابه الشاب بأن المعرض أنهى أعماله ، فمع نهاية أغسطس ورحيل المصطافين تغلق المعارض أبوابها في انتظار صيف جديد . شكره على الإجابة التي يعرفها ورمى عينيه نحوها فوجدها تنظر إليه . هل أحست به ؟! .. لا يدري !
وفوق سور الكورنيش جلس وصديقه يتدبران الأمر ، غدا ستغلق بقية المعارض أبوابها ، واليوم لديه موعد لا مجال فيه للاعتذار أو سوق الأعذار , والقلب يريد أن يعرف الأيك الذي تقطنه هذه الحمامة وحدثته نفسه بإخلاف وعده وشجعته عيناه وقلبه لكنه حسم أمره وانصرف إلى موعده ، وحتى يأتي الغد عليه أن يتدثر بالصبر ويُمَنِّى النفسَ بحلاوة اللقاء المرتقب .

****
كما اعتاد . تأنَّق فوق تأنُّقِه ، وأغرق ملابسه في عطر الون مان شو . دون أن يحسب حسابا لما ينسكب ، فالأمر يستحق أن تلفظ زجاجة العطر آخر أنفاسها . سار لا يُلقِى بالا إلى النهود الفائرة ، والسيقان النابضة بالإغراء والأيدي التي تُشبِه أرغفة الفينو الطازجة . ودخل المعرض المجاور لمعرضها بعد أن حياها بعينيه ، وأخذ جولته الوهمية وعاد إلى سور الكورنيش . وجلس كالقرد ينتظر . ومرت ساعة قبل أن تغادر المعرض وتمر أمامه , بيدها طفلة صغيرة , وقفز خلفها ، تشده خيوط من حرير فولاذي ووقفت عند بائع الفشار ، وأعطت الطفلة النقود ، وانتحت جانبا ، تنظر إلى الخلف . إنَّ للمرأة طرقا تعرف بها ما تريد معرفته . لكنها أمور لا تخفي على خبير مثله . ولم تره خلها فعادت إلى الطفلة ، لتجده واقفا بجانبها يشترى كيسا من الفشار – مساء الخير ، ولم ترد .
وهي تمسك يد الطفلة وتعبر سور الكورنيش ، لمح شبح ابتسامة تتراقص على شفتيها وجلست والطفلة فوق الرمال تتطلعان إلى البحر . ما أصفى نفسها وما أعذبها ، وما أرق هذه النفس ، التي تلتمس الجمال والمتعة في صورة أمواج البحر المجهدة ، تتكسر وتذوب بعد رحلة سفر طويلة ، هو أيضا يعشق البحر , يبثه أشجانه ، ويشاركه أفراحه . هل أدركت هي أيضا أن البحر أوفى صديق ؟!! . هل صارت أمواجه أصدقاء لها ؟!! تمنى لو جرى فجلس بجانبها ، يبثها والبحر لواعج نفسه ، ونجوى قلبه ، وهمسات روحه .. لكنه تذكر انه دائما يسير على نيران هادئة . وغادرت الشاطئ ، ومرت أمامه كنسمة أرادت أن تطفئ اللهيب فزادته اشتعالا . وعاد إلى مجلسه ، وعادت إلى معرضها تغمر وجه الطفلة بالقبلات . ليته يتذوق واحدة من قطع الحلوى التي تضعها فوق خدود الطفلة ! وجلس على الكورنيش ينتظر وراحت نسمات البحر الباردة تداعب ظهره ... وأحس عضلاته تنتفض .

****
أخيرا أغلق المعرض الملعون أبوابه واستعدت ورفيقها الشاب والطفلة للمغادرة ، وخُيل إليه أن الشاب يسدد إليه النظرات . لعله أثار فضوله بجولاته المتعددة داخل المعرض وحوله . وانصرف الثلاثة وخلفهم هاشم يقلب الأمر في رأسه . لو ركبوا تاكسيا سوف يقفز في أحد التاكسيات ويأمر السائق بأن يتبعهم . وتحسس جيبه واطمأن إلى وجود النقود . وراح يراقب خطواتهم ويتلقف في لهفة وحرص وتوجس حركاتهم , واجتاز الجمع سور النادي الاجتماعي ، وعبروا ميدان الجلاء واتخذوا طريقهم نحو شارع الإسكندرية وتوقف الجمع ودخل الشاب متجرا , وهاشم قابع خلف بعض الرجال ينتظر تحركهم من جديد , وخرج الشاب من المتجر ووقف الجميع يتحدثون وطال وقوفهم وخرج هاشم من مكمنه . أصبح خلفهم مباشرة ، ووقف أمام كشك بيع الجرائد ، يتظاهر بالتطلع إلى بعض المجلات ، وعاد ينظر من جديد وصعق ... لم تكن الفتاة هناك حيث تركها .
.. بل  الجمع كله لم يكن له أثر .. وأسرع إلى حيث كانوا يقفون .. ودارت عيناه في كل مكان تمسحان الواجهات والناس وكل شى ء . لا أثر لهم ، وراح كالمجنون ، يقطع الشارع . مرة .. ومرة .. ومرات .. وبقايا الأمل داخله .. تذوب على أسفلت الطريق .