وجه فى الزحام
ليلة من ليالي الصيف الساحرة الناطقة بالحياة . ليلة من ليالي مرسى مطروح تصبغ ما حولها بالجمال وتكسوه لباسا من الحسن والفتنة . ورءوس كرءوس النمل تلعق السيقان والأرداف والأيدي البضَّة وتفحصُ الوجوه في تساؤل : من أين لَكُنَّ هذا الجمال ؟!! ورجاء تطلقه الشفاه : رحمة بنا ، فأنتم الناس أيتها الحسان .
وتسير الأرجل على مهل ، تقطع شارع الإسكندرية وبعده شارع الكورنيش في دورة لا تنتهي إلا عندما تخلو الشوارع من ربات الحُسن ، وعندما تدقُ ساعاتُ العقول أجراسها تدعو إلى النوم ، لتنتهي ليلة سريعا ما تعود . وما أكثر ما تدقُّ الساعات ، وقلما تنصرف الحسان قبل الفجر ، وينتصر جمالهن الأخاذ على سلطان النوم ، فيتأجل إلى حين .
وهاشم كالآخرين ، ينتقي أحسن ما عنده من ملابس وينفق ساعة في كيها ثم يأخذ حماما ويُغرِق نفسه في رغوة الصابون المعطر ، ثم يُغرِق وجهه ويديه وملابسه في عطر الون مان شو الشهير ، ويمضي سعيدا ، يلعق الوجوه والنهود والسيقان . ويرى الأزياء أنواعا وأشكالا تمرُّ أمام عينيه فوق أجساد بيضاء كالرخام ، تفوح منها روائح الشباب والرغبة ، ويجذبه ذلك الصراع الدائر ، بين أزياء مهمتها الإخفاء ، وأجساد ترغب في كل شيء إلا الحشمة ، وتكون الغلبة للأجساد في صورة صدر ناهد يتأرجح في خجل أو ساق غضَّة يشقُّ بياضُها فتحة الفستان ، كأنه لا يرضى إلا أن يزيد اتساعها ، أو يحرقها بنيرانه الساخنة .
قال لنفسه : ما أعجب الإنسان .. يدعى الفضيلة وهو أول من يسعى إلى التخلص من قيودها . إنه لم يصنع الملابس إلا لتنقله من مرتبة الشهوة المفضوحة إلى مرتبة الإنسانية المحترمة ، ولكن هاهي طبيعته الحيوانية تطغى عليه وتمزق الغلائل الرقيقة التي يري أنها رمز العفة والشرف . وسخر في أعماقه من نفسه ، فهو لم يخرج من بيته ليمتع رئتيه بهواء البحر العليل إنما يريد أن يمتع عينيه وقلبه وروحه بهذه النسمات الملائكية الرقيقة . سيدات وبنات في شرخ الصبا ، وأخريات في ميعة الطفولة . غادرن الفنادق والمعسكرات والشقق .. يبحثن عن شفاء لأجسادهن المتعبة التي أرهقها الانشغال زمنًا بشئون العمل والبيت والأسرة والمدرسة ، وأرواحهن التي مزقها التحايل على المعيشة وغلائها ، واتساع الهوة بين طموحاتها المعقولة وإمكانياتها العرجاء الفقيرة ، فأتين يسرقن من الزمن لحظات ، يشفين بها أجسادهن وأرواحهن . وما يدرين أن في شفائهن بلاءٌ لنفر غير قليل .
****
مضى هاشم لا يعنيه ما يتراءى له خلف التقاطيع الساحرة وظلال مساحيق التجميل الصارخة ، من بقايا التعاسة والشقاء ، كل ما يبتغيه أن يرى الجمال . كل وجه يحمل لونا فريدا من الجمال . يعجز عن تحديد موطنه رغم أنه يعلن عن نفسه في جلاء كأنه يقول :
- أنا ثمرة بمائة لون ، ومائة شكل ، ومائة طعم .
ومرَّت أمامه ، وجه من مئات الوجوه . يحمل جمالا فريدا مميزا . ولكن مهلا .. ليس هذا بجمال !! إنها الفتنة عينها ترتدي جسدا آدميا , وانطلق لسانه دون وعي يمدح ويتغزل وقد مسَّه ملاك رقيق وظالم في آن واحد :
- يا مساء الفل والنرجس والياسمين والورد البلدي .
والوجه يبتعد دون أن تبالي صاحبته بذلك الذي يُلقِي التحية مشفوعة بصحبة ورد . ودون أن يبدو على وجهها أنه قد تأثر بهذه التحية الرقيقة . مضت لا تُلقِى بالا لهذا المسحور الذي يهذى :
- ومقام سيدي العوام ، أنا عقلي طار .
وتحمل الأرجلُ الملفوفة الوجهَ بعيدا ، لا يعنيها أمر هذا الذي دهسته فتنتها , لعلها اعتادت أن ترى القتلى أينما حلَّت فلم تعُد تُلقِي إليهم بالا ، ولعلها تضنُّ على مرضاها بالعلاج ، فليس لها إلا قلب واحد ، والمرضى بداء فتنتها أكثر من العد والإحصاء . وجرَّ صاحبه من يده وانطلق خلفها والصديق في حيرة من أمره .
- إلى أين ؟!
- يجب أن أعرف أين تقيم .
****
مطَّ الصديق شفتيه ، وهاشم يسير خلف الفتاة . ليتها تدرك أنه يتعقبها , ليست هذه أول مرة يسير فيها خلف فتاة ، لكنه أبدا لا يصل إلى نهاية الطريق . ومع مثل هذا الصاروخ لا يدري إلى أين ستقوده قدماه , ورأى في يدها كتابا . إنها متعلمة بل مثقفة – إنها معجزة .. فتاة جميلة تقرأ كتابا !!
كانت الفتاة قد بلغت نهاية سور النادي الاجتماعي ، واتجهت إلى ساحة كبيرة أمام النادي . يُقَام بها عدة معارض لمنتجات المتخرجين ، ودخلت أحد المعارض وبدأت تستقبل الزبائن في وِد . شيء عظيم .. كم هي رائعة فهاهي تقف بين شباب أضناهم البحث عن فرصة عمل ، فاستعانوا بقروض الصندوق الاجتماعي للتنمية . هي إذن فتاة مكافحة تسعى لأن تحقق شيئا , كم تمنيت يا هاشم مثل هذه الفتاه الطموح ، بدلا من تلك الرءوس الخاوية التي كنت تلقاها في الجامعة ، والتي لا تعرف من أمر الدنيا إلا خطوط الموضة وأغاني الفيديو كليب .
لم يبق أمامك إلا أن تبحث عن تلك الأشياء التقليدية .. أخلاقها . أسرتها . مرتبطة أم لا .. إن يديها خاليتان من الدّبَل ، ومثل هذه الفتنة لا تسلم قلبها بسهولة . وكل ما عليه أن يحتال للأمر . وقادته قدماه إليها ودخل المعرض المجاور لمعرضها ، وعيناه تجوبان المعروضات دون أن تريا شيئا ، وعيناه تخترقان الملابس لتريا وجهها . وانتهت جولته الزائفة فاتجه إلى معرضها واصطدم بشاب يقاسمها المعرض ويقف في صدارته . لعله أخوها أو شريكها . أي شىء إلا أن يكون خطيبها أو حبيبها !!
- لماذا أغلق معرض الكتاب أبوابه ؟
أجابه الشاب بأن المعرض أنهى أعماله ، فمع نهاية أغسطس ورحيل المصطافين تغلق المعارض أبوابها في انتظار صيف جديد . شكره على الإجابة التي يعرفها ورمى عينيه نحوها فوجدها تنظر إليه . هل أحست به ؟! .. لا يدري !
وفوق سور الكورنيش جلس وصديقه يتدبران الأمر ، غدا ستغلق بقية المعارض أبوابها ، واليوم لديه موعد لا مجال فيه للاعتذار أو سوق الأعذار , والقلب يريد أن يعرف الأيك الذي تقطنه هذه الحمامة وحدثته نفسه بإخلاف وعده وشجعته عيناه وقلبه لكنه حسم أمره وانصرف إلى موعده ، وحتى يأتي الغد عليه أن يتدثر بالصبر ويُمَنِّى النفسَ بحلاوة اللقاء المرتقب .
****
كما اعتاد . تأنَّق فوق تأنُّقِه ، وأغرق ملابسه في عطر الون مان شو . دون أن يحسب حسابا لما ينسكب ، فالأمر يستحق أن تلفظ زجاجة العطر آخر أنفاسها . سار لا يُلقِى بالا إلى النهود الفائرة ، والسيقان النابضة بالإغراء والأيدي التي تُشبِه أرغفة الفينو الطازجة . ودخل المعرض المجاور لمعرضها بعد أن حياها بعينيه ، وأخذ جولته الوهمية وعاد إلى سور الكورنيش . وجلس كالقرد ينتظر . ومرت ساعة قبل أن تغادر المعرض وتمر أمامه , بيدها طفلة صغيرة , وقفز خلفها ، تشده خيوط من حرير فولاذي ووقفت عند بائع الفشار ، وأعطت الطفلة النقود ، وانتحت جانبا ، تنظر إلى الخلف . إنَّ للمرأة طرقا تعرف بها ما تريد معرفته . لكنها أمور لا تخفي على خبير مثله . ولم تره خلها فعادت إلى الطفلة ، لتجده واقفا بجانبها يشترى كيسا من الفشار – مساء الخير ، ولم ترد .
وهي تمسك يد الطفلة وتعبر سور الكورنيش ، لمح شبح ابتسامة تتراقص على شفتيها وجلست والطفلة فوق الرمال تتطلعان إلى البحر . ما أصفى نفسها وما أعذبها ، وما أرق هذه النفس ، التي تلتمس الجمال والمتعة في صورة أمواج البحر المجهدة ، تتكسر وتذوب بعد رحلة سفر طويلة ، هو أيضا يعشق البحر , يبثه أشجانه ، ويشاركه أفراحه . هل أدركت هي أيضا أن البحر أوفى صديق ؟!! . هل صارت أمواجه أصدقاء لها ؟!! تمنى لو جرى فجلس بجانبها ، يبثها والبحر لواعج نفسه ، ونجوى قلبه ، وهمسات روحه .. لكنه تذكر انه دائما يسير على نيران هادئة . وغادرت الشاطئ ، ومرت أمامه كنسمة أرادت أن تطفئ اللهيب فزادته اشتعالا . وعاد إلى مجلسه ، وعادت إلى معرضها تغمر وجه الطفلة بالقبلات . ليته يتذوق واحدة من قطع الحلوى التي تضعها فوق خدود الطفلة ! وجلس على الكورنيش ينتظر وراحت نسمات البحر الباردة تداعب ظهره ... وأحس عضلاته تنتفض .
****
أخيرا أغلق المعرض الملعون أبوابه واستعدت ورفيقها الشاب والطفلة للمغادرة ، وخُيل إليه أن الشاب يسدد إليه النظرات . لعله أثار فضوله بجولاته المتعددة داخل المعرض وحوله . وانصرف الثلاثة وخلفهم هاشم يقلب الأمر في رأسه . لو ركبوا تاكسيا سوف يقفز في أحد التاكسيات ويأمر السائق بأن يتبعهم . وتحسس جيبه واطمأن إلى وجود النقود . وراح يراقب خطواتهم ويتلقف في لهفة وحرص وتوجس حركاتهم , واجتاز الجمع سور النادي الاجتماعي ، وعبروا ميدان الجلاء واتخذوا طريقهم نحو شارع الإسكندرية وتوقف الجمع ودخل الشاب متجرا , وهاشم قابع خلف بعض الرجال ينتظر تحركهم من جديد , وخرج الشاب من المتجر ووقف الجميع يتحدثون وطال وقوفهم وخرج هاشم من مكمنه . أصبح خلفهم مباشرة ، ووقف أمام كشك بيع الجرائد ، يتظاهر بالتطلع إلى بعض المجلات ، وعاد ينظر من جديد وصعق ... لم تكن الفتاة هناك حيث تركها .
.. بل الجمع كله لم يكن له أثر .. وأسرع إلى حيث كانوا يقفون .. ودارت عيناه في كل مكان تمسحان الواجهات والناس وكل شى ء . لا أثر لهم ، وراح كالمجنون ، يقطع الشارع . مرة .. ومرة .. ومرات .. وبقايا الأمل داخله .. تذوب على أسفلت الطريق .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق