الخميس، 18 أغسطس 2011

كلاكيت ألف مرة - قصة قصيرة - من مجموعة "مقام سيدى الهزاز" - 2008

الهاتف

كان هاتف يهتف به منذ أيام أنهم سيطرقون بابه , استغفر الله بل سيكسرونه أو يزخرفونه بطلقات مدافعهم الرشاشة ولم تكن لديه نية للمقاومة , لذا عقد العزم على أن لا يدفعهم إلى الاختيار الأخير , سيفتح عندما يسمع طرقاتهم على الباب لا , حين يسمع دبيب أقدامهم على درجات السلم , وقرر كحل أخير وآمن أن يفتح الباب عندما تخترق أصوات محركات سياراتهم جدران البيت
منذ نما إلى علمه أنهم أخذوا صديقه " فرحات " وهو يشعر باقترابهم , فأمر حملاتهم الدبلوماسية حديث الرفاق منذ شهر 0 فقط دردشة وبعض الأسئلة وبعدها عاد الجميع إلى منازلهم لم يصب أحدهم بسوء 0 ورغم هذه الأخبار المطمئنة إلا أن أمر أخذهم له كان يربكه , ماذا لو أخفق في الإجابة عن سؤال ؟! وماذا لو أخذوه وقرروا تأجيل الدردشة عدة أيام ؟!
في مكتبه الذي يطل على ميدان التحرير كان ينسى أمرهم , مشاغل العمل وهمومه كانت تأخذ تفكيره بعيدا عنهم , ثم إنهم لا يأخذون أحدا نهارا , إن للمواطن الشريف حرمته وحقوقه , وأبسطها ألا يؤخذ جهرا أمام أعين الناس , إن الظلام أليق بإنسانية الإنسان وكرامته 0 وإذا كان النهار يقف حاجزا بينهم وبينه , فإن شريط السكة الحديد هو الآخر يمثل سياجا آمنا 0 فلماذا يجهدون أنفسهم وسياراتهم في اجتياز قضبان السكة الحديد , والصعود إلى بيته الواقع فوق تبة عالية
بيوت جيرانه أيضا تبتعد عن الشارع الرئيس عشرات الأمتار وترتفع عالية خلف القضبان , والمداخل التي تؤدى إليها ضيقة غير ممهدة , وتمتلئ بالكلاب الضالة والزلط والنباتات الشيطانية

المراجعة

قوى أمله في أنهم سيرسلون له بدلا من أن يأتوا لأخذه فعلوا هذا مع بعض الزملاء 0 ليس لديه ما يخشاه , ولذلك لن يتأخر , سوف يذهب إليهم , يجيب على أسئلتهم ويدردش معهم , ويا دار ما دخلك شر
هل حقا ليس لديه ما يخشاه ؟!
لابد من الإجابة على السؤال عشرات المرات حتى يجيب عن أسئلتهم في ثقة واطمئنان 00 للمرة الألف يفتش في ذاكرته يستعيد شريط حياته 00 لحظة بلحظة , أصبح يتوقف كثيرا أمام التفاصيل الصغيرة , اكتشف في نفسه مقدرة عجيبة على تذكر الأحداث بتفاصيلها الصغيرة 0 أشياء صغيرة لم يلتفت إليها من قبل , عشرات بل مئات الأشياء الصغيرة امتلأ عقله بها . في الأيام الأخيرة أصبح يجد تشابها كبيرا بينه وبين جهاز الكمبيوتر الملقي في أحد أركان بيته 0 عقله أصبح مجموعة من المجلدات , كل مجلد به عدد من الأحداث الكبيرة وفى داخل الحدث الواحد ملفات فرعية لا حصر لها 0 في عمليات الاسترجاع المتكررة اكتشف مدى تفاهته , فعبر تاريخه المديد لم يشغله حقا سوى أمرين , الحب والكُرَة , في الابتدائية كان يحب زميلته ويلعب الكرة , وانتهت سنوات الجامعة وتخرج وتزوج وما يشغله هو الكرة , أما الحب فقد ذابت حرارته بعد أن أنجبت زوجه حبيبته ثلاثة أطفال 0 لقد كانت حبيبته مفتونة دائما بثقافته , لكن عمليات الاسترجاع تصدمه بالحقيقة 0 إنه لا يتذكر شيئا عن اليمين أو اليسار 000 تاريخ بلاده يبدو قطعا متناثرة لا تحتل من الأحداث الكبيرة في حياته إلا هوامش ضيقة 00 هل لديه برنامج سياسي شامل يجعله زعيما لأحد الأحزاب ؟!!!
إن تفاصيل حياته لا تخضع لبرنامج محدد 00 إنه فوضوي 00 ابن وقته 00 فكيف له ببرنامج سياسي شامل , ثم ما معنى برنامج سياسي ؟ لقد سمع التعبير في أحد الندوات التي تعقدها الكلية لكنه لم يهتم , كان مشغولا بمباراة الأمس التي هزم فيها 00 حمد الله كثيرا على تفاهته وضحالة فكره وانعدام ثقافته , ولم يتوقف عن التفتيش في الأشياء الصغيرة 000 عباراته التي كان يعلق بها على الأحداث الجارية
إنه بشر يشعر ويحس ولابد أنه في بعض المرات قد عبر عما يعتمل في صدره , لكن مثل هذه التعبيرات الوقتية لا يمكن أن تجعل منه صاحب فكر أو رسالة 0 استراح لهذه النتيجة 0 لكنه قرر مستقبلا أن يحتفظ بآرائه لنفسه
" امش جوار الحائط يا محمد " وصية والده هي دستور حياته , لا يعنيه من الدنيا وما فيها إلا زوجه وأطفاله وعمله
- يالى من تافه
قالها لنفسه , وهو يفتش في كتبه ، هذه كتب الكلية , وهذه بعض المجلات العلمية 00 لا ضرر منها , أما هذه المجلات الشاملة فلا يتذكر الآن ما تحويه , قد يؤدى مقال منشور بها إلى تأجيل الدردشة عدة أيام , تخلص منها 0 وكإجراء وقائي أخذ زوجه وأطفاله إلى بيت أبيها كي تقوم برعايته في مرضه 00 وجدها فرصة لتحسين علاقته بحميه 0 لا أحد يدرى , قد يكون مرضه الأخير
الليل
لم يكره الانتظار مثلما كرهه في الأيام الأخيرة 0 كان كمن ينتظر إجراء عملية جراحية خطيرة تحدد مصيره في الحياة كل ثانية تقترب به من حجرة العمليات 0 يحيطون به وفى أيديهم مشارط تلمع والأضواء الباهرة تعمى عينيه 0 لكنه لا يغيب عن الوعي 0 إنه يشعر بما يحدث له 0 عشرات الحقن تغرس في جلده 0 لكنه يحتفظ بوعيه , وعقله يعمل كآلة ضبطت على وضع التشغيل الدائم 00 يريد أن يسمع صوت المحركات أو يرى أضواء سياراتهم الشاحبة 0 بات على اقتناع أنه لن ينام إلا إذا أخذوه 00 فكر في أن يذهب إليهم يدردش معهم ويجيب على أسئلتهم , لكنه لا يعرف رد فعلهم فلم يسبق لأحد أن ذهب إليهم بقدميه 0 ولو فعل لا يدرى هل سيتركونه يخرج أو 0000
منذ غادره النوم وهو يكتشف أن كثيرا من مفاهيمه عن الكون وكائناته تتغير 0 كان يظن أن الليل وقت للسكون 0 لا همسة ولا كلمة
الليل في حضن أمه يجلب له الدفء والطمأنينة 0 لكنه اكتشف أن لليل عالمه الخاص وأصواته الخاصة 0 صوت القضبان وهى تئن والقطار يدهسها , ونباح الكلاب في الليل غير نباحها في النهار , انه نباح أقرب إلى العواء والبكاء ولم يدرك أن حنفية المطبخ تسرب الماء إلا منذ غادره النوم تاك 0 تاك , كل نقطة ماء بينها وبين الأخرى عشرات الأصوات , صوت دقات المنبه وأقدام الكلاب وهى تحفر جدران المقابر المجاورة 00 و00 , بقى على صوت المؤذن ساعة
في حجرته الصغيرة , تتقلص أحلامه 0 تنكمش تتوارى يبتلعها حلم واحد , أن يسمع أصوات المحركات أو يرى أضواء السيارات 0 قام على مهل وأطفأ النور وانتظر لحظات حتى اعتادت عيناه الظلام
ألقى جسده المرهق فوق السرير 0 أضافت طرقعة الخشب صوتا جديدا لم يسمعه إلا الليلة 0 رفع المخدة على حافة السرير , أسند ظهره إليها , وشبك أصابعه خلف رأسه وعيناه مصوبتان باتجاه الباب 0 لا يمكن أن يستمر الأمر هكذا 0 يجب فعل شيء , هذه الحملات الدبلوماسية يجب أن تتوقف0 لقد سمع أن النقيب قد زارهم وتفاهم معهم , وأقنعوه بأنها مجرد دردشة وبعض الأسئلة , ولكن لماذا ؟!
لماذا هو وزملاؤه دون غيرهم من طوائف المجتمع ؟! 0 هل أخذت بقية الطوائف حظها من الحملات قبلهم أم أن دورهم سيأتي لاحقا ؟! 0 لابد من حل 00 جمع توقيعات 0 شكوى للوزير على صفحات الجرائد 0 لكن من يضمن أن الشكوى ستنشر , وإذا نشرت فمن يضمن أن رد الوزير لن يكون:
- إنها مجرد دردشة وبعض أسئلة 0
الأمر يحتاج إلى ثورة 0 سوف يقوم هو وزملاؤه بثورة 00 وسوف يكون هو قائد هذه الثورة 0 ثورة (ال0000 ) لقد رأى فيلما عن " ثورة العبيد " 0 لا يمكن أن يكون العبيد أقدر منهم على الثورة 0 نعم قد تُسْحَق ثورته سحقا لكنه ربما للمرة الأولى في حياته لن يكون تافها , سيكون صاحب رأى ولو للمرة الأخيرة فى حياته 000
سامحني يا أبى , لا أستطيع أن أنام , ولذلك لا أضمن لك أنني من اليوم سأمشى جوار الحائط
الخلاص
حين وجد نفسه محشورا في السيارة , كان شعاع متسلل من بقايا القمر يتراقص فوق وجهه المبتسم ، لقد جاءوا أخيرا 0 وأصبح في قلب الحدث ، إنه يشتاق إلى الدردشة والأسئلة 0 في السيارة آخرون , لا تسمح الإضاءة بتفاصيل
كانت السيارة قد غادرت التبة المرتفعة واجتازت شريط السكة الحديد ، وراحت تنهب الطريق نهبا
لا يصدق أنهم جاءوا 0 ملاحمهم الغاضبة ، وطرقاتهم على الباب كانت تتراءى له كحلم 0 لا يمكن أن تكون كل هذه السيارات من أجله وكل هذه الرشاشات
أين كانوا يوم زفافه ؟!!
أهو مهم إلى هذه الدرجة ؟!!
أهو خطير إلى هذا الحد ؟!!
لقد كان يتحدث بأمر الثورة إلى نفسه
هل يقرأون أيضا ما يدور في النفوس ؟!!
ليس لديه ما يخشاه , ولذا استقبلهم بابتسامة يعلوها الارتباك وعندما امتلأ البيت بهم ابتلع ابتسامته وغرق في طوفان من العرق 0 لكنهم مهذبون 0 لم يفعلوا ما يشير إلى عكس ذلك تغاضى عن ملامحهم الغاضبة وطرقاتهم الساخطة على الباب فهي أمور تخص عملهم وهم أعلم بما ينفعهم
نسمات الفجر الباردة تداعب وجهه والسيارة تهدهد عظامه ورأسه يميل على جاره , وعقله يستعيد التفاصيل الصغيرة

















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق