الأربعاء، 17 أغسطس 2011

عجين الفلاحة "قصة قصيرة من مجموعة - مقام يدى الهزاز- 2008"

أظنه لم يقدر أنني سألقاه ثائرا , فقد ابتعد عن القفص الحديدي مأخوذا تلاحقه صرخاتي الفائرة ونظراتي الحارقة وفى خطوتين اجتاز فضاء سجننا الأكبر حيث استقر سرير متداع , وعاد على وجهه ابتسامة صفراء , وفى يده بعض أصابع الموز , واقترب فلم تتوقف صرخاتي , وأظهرت نفورا وأنا أضغط جسمي فى القضبان كي يلقى أصابع الموز فيما تبقى من فراغ سجني الصغير , واحتميت بظلام الغرفة لتناول بعض الطعام 
وفى الليلة التالية أتى يحمل كائنا ألقاه جوار السرير وأسرع بحبل سميك أحكم طرفه الأول حول ساقي الكائن والآخر حول إحدى قوائم السرير . كان يحاول تبديد آخر محاولات الكائن للمقاومة . وتحقق له ما أراد . فقد أخذ صوت الكائن يخفت رويدا رويدا حتى اختفى . وسكنت حركاته , كأنه استسلم لنوم عميق
وكنت قد أدركت أن صراخي من خلف القضبان لن يجدي رفيقي فى الأسر شيئا فركنت إلى الصمت وانتظرت أصابع الموز . وتسللت خيوط الفجر من نافذة الغرفة فأكدت لي هوية الأسير , إنه – كما قدَّرت – واحدة من الماعز . وللحق فقد كان جلادنا بالنزيلة الجديدة رحيما . فقرب إليها الماء وتودد إليها بحزمتين من البرسيم الأخضر الطازج , ولكن ما أقبل الليل حتى أصابه المس , فأخذ يتكلم إلى الماعزة فى ود ويطلب منها أن ترقص له رقصة الغزية , ويبدو أن صاحبتنا لم تفهم , أو أنها لم تكن تجيد الرقص , أو أنها لم ترد أن تؤدى من أدوار الحياة سوى دورها كماعزة . فامتنعَت وأعرضت ومأمأت . وأحسبها - مثلي - تبسمت  حين راح يتمايل ويتراقص مؤديا دور الغزية , مسرفا فى التودد إليها كي تفعل مثله
وما أدرى إلا والمخبول يستل سوطا وينهال به على جسد المسكينة فى ضربات خاطفة أسقطتها جوار السرير كتلة من اللحم تئن . وجن جنوني حين راح السوط يرتفع ويهوى فوق الجسد المسجى المستسلم لطوفان الغضب , ولو استسلمت لأناملي قضبان القفص الحديدي وتداعت لكان له معي شأن  لكنها تصلبت .. وضاعت صرخاتي فى فضاء الغرفة
وابتلع السرير جسده المبلل بالعرق . وارتفع شخيره يبدد بقايا الأنين المكتوم
وإن كنت لا أعجب لقوته فإنني أعجب لتلك العزيمة الجبارة التى امتلكتها الماعزة , وهى تقاوم إصراره الغريب على إفنائها بسوطه الرهيب
ومنذ تلك الليلة لم تسلم المسكينة من السوط اللعين , إذ يبدو أنه قد عقد العزم على إفنائها إن لم تستجب لرغباته المجنونة  فتارة يصيح فى غضب : اعجني كالفلاحة . وتارة تستهويه رقصة الغزية , وهو لا يكل ولا يمل .. ومواهبه فى الرقص تتحسن . ويحاكى أمامها رقصات الغوازي صائحا بصوته المبحوح : انظري هذه رقصة فلانة , وهذه رقصة فلانة
فإذا سأم الرقص انتقل إلى العجين فأحضر وعاء فارغا وأخذ يعجن الهواء , ويضرب بيديه السراب , ويصيح فى نشوة : أليس الأمر سهلا ؟! ويقرب إليها الوعاء : اعجني اعجني أنت فلاحة عظيمة , ويضع البرسيم فى الوعاء ويأمرها بالعجن لكنها تأكل ولا تعجن . وعرق الجنون ينبض .. والأسواط تفرقع والجسد الضعيف يتلوى والصرخات المدوية تتحول إلى حشرجة مكتومة . وصوتي يمزق الفراغ
 والسجن الصغير يوشك أن يتداعى تحت وطأة قفزاتي  والكون يتلاشى إلا من ثلاثتنا فى الغرفة الكائنة فوق السطح معلقة بين السماء والأرض . ولو أبصرت عيناه عينيَّ وهو يقرب أصابع الموز فى إهمال لرأى فجوتين ملئتا بالدم , لكنه لا ينظر , منذ أحضر الماعزة , وهو لا ينظر , يتجاهل سجني الكائن فوق المنضدة العتيقة . لا يقربه إلا حين يلقى أصابع الموز ويدعم المنضدة بقطع الخشب السميكة . ويزداد أساس السجن صلابة , وتزداد شراسة القضبان فى المقاومة وجسدي يئن كلما ارتطم بأسياخ الحديد , وقلبي يهفو إلى الفراغ ويستهوى العدم , وأكره الليل المحمل بنزوات بنى أدم المخبول , وفرقعات سوطه الناري , والماعزة تبدى فنونا من الصمود . وفى الصباح أسمع مأمأتها الحزينة فيعاودني الحنين إلى  ارتكاب جريمة قتل
ويشق السوط فراغ الغرفة . وأسمعه يقسم أنه سيذبحها إن لم تفعل ما يريد , فأصرخ فيه : دعها وخذني .. أنا المقبور داخل سجني أستطيع أن أعيد إلى تلك التى توشك أن تفنى دفقة الحياة . خذني ودعها . فليست كل الأجساد تملك موهبة الرقص . وليست كل الأيدي تستطيع العجن .
ويسيل دمها الطاهر فوق بلاط الغرفة العاري , فتختنق العبرة فى عيني ويتوه الكلام فى جوفي : خذني وأقسم أنى سأفعلها
 سأفعلها من أجل تلك التى صمدت ثلاثين يوما
أقسم أنى سأفوق فى الرقص جميع الغوازي , وأمهر فى كل فنون العجن . لا من أجلك بل تلك المذبوحة
وأقسم بحق دمها المسفوح أنني يوما سأنتقم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق