ـ خطبة جميلة يا أستاذ .
أحنقته تركيبة الجملة ، فما كان يخطب , وأفزعته الكلمة الثانية من الجملة تحديدا ، إذ لم يكن أحد أهدافه أن تثير كلماته الإعجاب . ولكن هذا ما حدث
وها هي سلوى – ببراءتها المعهودة ولسانها المنطلق – تعلن على الملأ أنه فاشل . كلماته التي أنفق الليل يرتبها وينمقها , تتساقط على الأرض , تصبح لوحة جميلة ، أسودًا منزوعة الأنياب ، مدافع بلا طلقات ، شكلا يفتقد المضمون
مريم تهمس كأنها تستعد للنوم :
مريم تهمس كأنها تستعد للنوم :
ـ لقد أوشكت على البكاء يا أستاذ
ينظر إليها في امتنان ، يعيد إليه بعضا من الأمل الذي فر يستعين بالسؤال راجيا أن يجلب له مزيدا من الأمل
ـ ماذا نفعل ؟
ـ ماذا نفعل ؟
بعض الأصابع ترتفع في سرعة ، تدل على عقول لم تأخذ وقتا للتفكير وأخري ترتفع بعد تردد
ثمة صمت يطبق على الركن الأخير من الصف الذي يتوسط الحجرة . يسمع لبعض الأيدي المرفوعة
- نمنع عنهم البترول
- نسير في مظاهرات
- نحرق علمهم
- نسافر إليهم
- نحاربهم
هل يعرفن الحرب ؟ !!
لم يقدر لواحدة منهن أن تعيش مأساة الحرب . لو فتحت واحدة منهن صنبور المياه فتدفقت الدماء ، هل ستصر على خيار الحرب . صمتٌ لم يعتده منهن عند فتح باب النقاش سلوى أيتها الثرثارة .. أين أنت ؟ !! اعتاد أن يراها تتكلم حتى عندما يطلب منها الصمت يسكت لسانها ، ويتكلم رأسها وعيناها ويداها . لم يكن لديه رغبة في الكلام ، كان يريد أن يسمع ... أن يجاوبه الصدى
في طابور الصباح . وبعد أن ألقى كلمته حركت مديرة المدرسة رأسها علامة الرضا .. كان يعلم أنها ستفعل ؛ فمحطات التليفزيون المحلية تنافس الفضائيات . تجوبُ أقطار الأرض .. تنقل الأخبار وردود الأفعال ، تسمح للمارد أن يُخرِجَ فمه خارج القمقم . وتترك البركان ينفث بعضا من غضبه .. ورقة من أوراق الضغط تحفظ ماء الوجه ، وتضمن للعرش ديمومته .. فليس ثمة وقت للانفجار
أحد الزملاء همس في أذنه : الله يفتح عليك
وقال الأخر غاضبًا : ما كان يجب أن تقول إننا تركنا الأمر للنساء ..
لا يعنيه هذا الجيل في شيء ، فقد تم تقليم أظافره من زمن , جيلٌ عاش الحرب فَرَاقتْه طنطنةُ السلام ، لم يسألهم ماذا نفعل فهو يراهم يهتفون في كل الميادين ، يقتلعون بكلماتِهم أوراق الشجر . يدكون الجبال بألسنتهم ويصدرون الهواء , جيلٌ شاخ ، وبين يديه جيلٌ ينمو
- أستاذ .. لو سمحت نريد من أمل أن تغني" زهرة المدائن "
- نعم , دعها تغني
- أميرة تحفظ " الحلم العربي "
- وأنا أيضا .
دفة الحديث تدور ، تبتعد عن الحرب ، وتسير باتجاه الغناء
أصواتهن تختلط ، والركن الأخير يعبر عن نفسه:
- نعم نريد أمل .
لم يجد بدا من الإذعان .. بدأت أمل تغني ، وجو من النشوة يفرد جناحيه على قلوبهن الخضراء . عيون بعضهن تلتصق بشفتي المغنية ، رموشهن تتلون بالخوف . و تمتلئ الأحداق بالأمل . ثم تفيض باليأس .. تلتصق بأيديهن مدافع وهمية طلقات ثورة لا تغادر الحناجر الفطرية .. أسئلة تتحجر فوق الشفاه
دون مقدمات يتوقف الغناء
فوق مقعدها تترك أميرة عمرها الذي لم يتعد الثانية عشرة تقف في عزم :- لماذا لا نحاربهم ؟ !!
سلمي ، ترتعش ضفيرتها :- لماذا تساعد الأمم المتحدة الأعداء ؟
يصحح لها المعلومة : - الولايات المتحدة
تسأل في براءة ، تختلط بثورة الغضب في صوتها :
- وما الفرق بينهما ؟
ينظر إلى ساعته , ولا يجيب
ـ أستاذ لمن الشعر الذي قلته في الطابور ؟
يستدير ، يكتب عنوان الدرس على السبورة
يقذف بشرحه في وجه طن من الأسئلة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق