التليفون يرن
امتدت أنامله تحتضن أزرار التليفون . تستجدى الرقم . جرس التليفون يرن . يكاد يشك في أذنيه . الرقم ليس مشغولا . المعجزة تحققت وأخيرا ظفر .. أحس بالشماتة في الذين كانوا السبب في انشغال التليفون عبر أيام كثيرة سابقة , تمنى لو رأى أحدهم ليخرج له لسانه . ابتلع ريقه وصوت التليفون ــ على الجانب الآخر ــ يرن في أذنه موصلا بدقات قلبه الراقصة , التليفون يرن, ولا أحد يرد. هل ضغطت أصابعه رقما خاطئا ؟
لا .. ليس هذه المرة .. كفاه أخطاء .. دخوله كلية التجارة كان خطأ , الكتب المتناثرة في أنحاء غرفته تذكره بخطئه الكبير .. يوم انشغل بها عن اتقان صنعة أوامتهان حرفة يتكسب منها . صورة رفاقه وهم يتحلقون حوله يطلبون الملخصات التي أعدها تجلب المرارة إلى قلبه, دورات الكمبيوتر التي اجتازها, ليغزل خيوط حلمه الوردي ويعد نفسه لمهنته التي طالما أحبها ــ محاسب في بنك كبير ــ ترقد شهاداتها جثثا هامدة بين أوراقه . وتاه الحلم فى خيوط السراب, وألفى نفسه صعلوكا, لا يرحب به بنك كبير أوصغير . رحب بالمـر وجرى وراء الوظيفة ولم يرحب به المر
على الهاتف يخترق سمعه صوت جاف: "الرقم المطلوب غير موجود بالخدمة, من فضلك, تأكد من الرقم الصحيح ثم أعد المحاولة . هذه رسالة مسجلة" . وضع السماعة في غيظ, ثم رفعها, وعاد يطلب الرقم من جديد, وصوته يتردد في جنبات الغرفة المظلمة إلا من بصيص ضوء, يأتي من السهارة أعلى باب الحجرة .
0900
انتبه إلى أن صوته عال, فكتمه, وأصابعه تضغط في تأن ملهوف أزرار التليفون .. جرس التليفون يرن . نظر إلى ساعته . كانت الخامسة صباحا , لقد أحسن عندما اختار هذا التوقيت ليتصل . يبدو أن الآلاف الملهوفة على الاتصال قد نامت أخيرا .. التليفون يرن . وأمه تهنئه وتقبله . بعض رزم النقود تسقط على الأرض .. لا يهتم . التليفون يرن . أخيرا سيترك الحارة, يتنفس هواء نقيا, ويرى وجوها تفور بالصحة . لن يأخذ من الحارة سوى أمه وأبيه وإخوته الثلاث, قد يلومه أهل الحارة إذا تركهم
- الرقم المطلوب غير موجود بالخدمة ....
أين أصحاب الرقم ؟!! . لقد قالوا إن الاتصال طوال الأربع والعشرين ساعة فلماذا لا يسمع لهم صوتا
ربنا يأخذكم .
قالها, وهو يضع السماعة, ويلتقط نوتة التليفون .. رقم .. اثنان .. عشرة أرقام سحرية . التقطها من التليفزيون .. نطقت بها شفاه أحلى من الفراولة وتراقصت بحروفها أجساد تتلوى مثل ثعابين البحر . وكتبها في النوتة فذاكرته تخونه .. الأرقام التي هي لعبته ومجال دراسته, تفر من ذاكرته, كأنها تعلن أنه لم يبق مجال للانتظار .. سبع سنوات مرت بعد تخرجه, وعرش الأرقام والنظريات الرياضية يتهاوى ... يصبح قشورا على جدران الوعي .. الأرقام تختزل في ذاكرته إلى بعض العمليات الحسابية البسيطة, التي يحتاج إليها عندما يحسب الصادر والوارد لعم صبحي البقال . أو يحسب ثمن السندوتشات التي يبيعها على ناصية الحارة . الرقم الجديد مشغول . أراد أن ينشط ذاكرته الرقمية . التقط قلما .. كانت دفعته تضم خمسة آلاف تخرج معظمهم .. بعد سنوات تكون النتيجة ؟! أن خمسة وثلاثين ألفا يطلبون الآن هذا الرقم وإخوته . وإذا أضفنا بقية الكليات !!! أفزعه الرقم, ورفع السماعة يطلب رقما جديدا .. التليفون يرن, ولا أحد يرد ... التليفون يرن . وصوت نسائي يتسلل إلى أذنيه ساحرا ناعما . تهتز السماعة في يده, وقلبه يصطدم بباب الحجرة, ترتعش شفتاه وتفلت من بينهما ألو مريضة مرتبكة:
1466
فترد صاحبة الصوت في رقة:
نعم يا يافندم . اسم حضرتك .
اسمه .. اسمه . هل نسى ..
ــ أه .. اسمى .. اسمى .. حسن .
هل يكون حظه حسنا كاسمه, فيفوز بالآلاف ؟!! ربما !! ولعل الحظ يبتسم له فيفوز بصاحبة هذا الصوت الأنثوى الناعم . هم بأن يسألها أن كانت مخطوبة, لكنها باغتته: السؤال يا أستاذ حسن سهل جدا .. ما اسم المدينة المصرية التي بناها الاسكندر ؟ ..
نظر إلى الكتب المتناثرة وأجاب: الإسكندرية
وأتاه صوتها باهتا: برافو يا أستاذ حسين على معلوماتك الغزيرة . الإجابة صحيحة, وإن شاء الله ستدخل السحب . وأتمنى لك حظا سعيدا . الاسم كاملا والعنوان لو سمحت .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق